ابراهيم بن عمر البقاعي

180

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الدار الآخرة أُجُورَكُمْ أي ثواب كل أعمالكم لبنائها على الأساس ولأنه غني لا ينقصه إلا عطاء ، والآية من الاحتباك : ذكر الحياة الدنيا واللهو واللعب أولا دال على ذكر الآخرة والجد ثانيا ، وذكر الإيمان والتقوى ثانيا دال على حذف ضدهما الكفران والجرأة أولا ، وسره أن تصوير الشيء بحال الصبي والسفيه أشد في الزجر عنه عند ذوي الهمم العالية ، وذكر الأجر المرتب على الخوف الذي هو فعل الحزمة أعون على تركه . ولما كان الملعوب به الملهو منه يسأل اللاعب اللاهي من ماله ، ولا يقنع عند سؤاله ، فيكون سببا لضياع أعماله وأمواله ، بين أن المعبود بخلاف ذلك في الأمرين ، وأنه يعطي ولا يأخذ لنفسه شيئا وإنما أخذه أمره بمواصلة بعضكم لبعض فقال تعالى : وَلا يَسْئَلْكُمْ أي اللّه في الدنيا أَمْوالَكُمْ * أي لنفسه ولا كلها ، وهذا مفهم لأنهم إن لم يتقوا بما ذكر سلط عليهم من يأخذ أموالهم بما يخرج أضغانهم ، قال ابن برجان : ومتى سئلوا أموالهم بخلوا ، فإن أكرهوا على ذلك أشحنوا ضغائن وحقائد ، ولم يكن من الإمام لهم نصيحة ولا منهم للإمام ولا لبعضهم لبعض ، وكان الخلاف ، وفي ذلك الحالقة ، وهو إنذار منه سبحانه بما يكون بعد ، وما أنذر شيئا إلا كان منه ما شاء اللّه . [ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 37 إلى 38 ] إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ ( 37 ) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ ( 38 ) ولما كان الإنسان ، لما جبل عليه من النقصان ، قد يهلك جميع أمواله لهوا ولعبا بالمقامرة ونحوها ، ولا ينهاه ذلك بل لا يزيده إلا إقبالا رجاء أن يظفر ، ولو سئل جميع ماله في الطاعة لبخل ، قال تعالى ذاكرا لهم ذلك تنبيها عليه وإيماء إلى حلمه تعالى عنهم وتحببه إليهم معللا ما قبله : إِنْ يَسْئَلْكُمُوها أي الأموال كلها ، ولما كانت الأموال قد تطلق على معظمها ، حقق المعنى بقوله : فَيُحْفِكُمْ أي يبالغ في سؤالكم ويبلغ فيه الغاية حتى يستأصلها فيجهدكم بذلك تَبْخَلُوا فلا تعطوا شيئا وَيُخْرِجْ أي اللّه أو المصدر المفهوم من « تبخلوا » بذلك السؤال أَضْغانَكُمْ * أي ميلكم عنه حتى يكون آخر ذلك عداوة وحقدا ، وقد دل إضافة الأضغان إلى ضميرهم أن كل إنسان ينطوي بما له من النقصان ، على ما جبل عليه من الأضغان ، إلا من عصم الرحيم الرحمن ، قال الرازي : وهذا دليل على أن العبد إذا منع في مواسم الخيرات سوى الزكاة لم يخرج من البخل ، فحد البخل منع ما يرتضيه الشرع والمروءة فلا بد من مراعاة المروءة ورفع قبح الأحدوثة ، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص ، وقدم المادة مهما ظهر له أن فائدة البذل أعظم من فائدة الإمساك ثم يشق عليه البذل فهو بخيل محب للمال ، والمال لا ينبغي أن